قصة إسلامه:
النجاشي ملك الحبشة كان على دين عيسى بن مريم وهو رجل عميق في هذا الدين، وعلى علم بالرسالات، وكان إسلامه دليلاً على أن ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق.
قال الإمام أحمـد رحمه الله: "ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن أبي عبيدة بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي آمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه.
فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجـاشي فينا رجلين جَلْدَين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (أي الجلود)، فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبدالله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم.
ثم قدموا للنجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي. ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهـاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك أنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجـاءوا لدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهـم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه!! قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلم بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليه، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله!! أيم الله إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أطرد قومـاً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فأن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم.
فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا: نقول له والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن.
فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسـولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وآداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدمـاء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.
قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.
فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثـان من عبادة الله. وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا فخرجنا إلى بلدك واخترناك على من سـواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك!!
قال: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شئ؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: إقرأ علي. فقرأ عليه (صدراً) من{كهيعص}. قالت: "فبكى والله النجاشي حتى اخضل لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة!! انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد.
فأراد عمرو أن يغضب النجاشي. فقال إنهم يشتمون 
وأمه. فقال: ما تقولون في عيسى وأمه؟ فقرأ عليهم سورة 
. فلما أتى على ذكر 
وأمه رفع النجاشي بقشة من سواكه قدر ما يقذي العين. فقال: والله ما زاد 
على ما تقولون نقيرا0
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله (لأنبئنهم) غداً عيبهم عندهم ثم استأصل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغـد. فقال له: أيها الملك انهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثله فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقـول فيه الذي جاء به نبينا هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العـذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون- من سبكم غرم. فما أحب أن لي دبراً ذهباً وأني آذيت رجلاً منكم -والدبر بلسان الحبشة الجعل- ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس فأطيعهم فيه.